»-(¯`v´¯)-» إشراقة أمل »-(¯`v´¯)-»
مندى اشراقه امل يرحب بكم اهلا وسهلا بكم معنا

»-(¯`v´¯)-» إشراقة أمل »-(¯`v´¯)-»

هدفنا هو إسعاد الأخرين من أجل حياة أفضل
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جمكتبة الصوربحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 حكايات نفسية الشمّاسة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


عدد المساهمات : 359
تاريخ التسجيل : 11/01/2010

مُساهمةموضوع: حكايات نفسية الشمّاسة   الخميس يناير 28, 2010 4:43 pm

أوقف حاج عبد الرحمن رجل الأعمال الشهير سيارته أمام احد مطاعم العاصمة الفاخرة ليتناول وجبة الغداء قبل أن يلحق بموعد هام عند مكتب للعقارات ليكمل صفقة شراء فيلا فاخرة تقع في منطقة سكنية حديثة اشتهرت بفخامة مبانيها. لم ينس أن يأخذ معه حقيبة يده التي تحوى قيمة العقار نقدًا لأن الوسيط أصر على عدم تقبل أي صك "شيك" لعدم اطمئنانه له.
شعر بشي من الانتعاش عند دخوله المطعم بعد أن لفحه هواء المكيفات البارد, المطعم مكتظ كالعادة بالرواد ولكن لحظه الجميل عثر على طاولة لأربع أشخاص بالقرب من الباب الرئيسي, من هنا يستطيع أن يرى الداخل والخارج وكذلك المارين أمام المطعم وهو يتناول طعامه في هدوء.
وضع الحقيبة على الكرسي المجاور له لتكون تحت نظره طول الوقت, هو يعلم أن هذه الأماكن العامة تكثر فيها السرقة والخطف لو غفل أحد لحظة عما يحمله معه...
تقدم نحوه أحد "الجرسونات" مبتسما ووضع أمامه قائمة الطعام وانتظر لحين اختيار الحاج لوجبته المفضلة..
" ممكن تعطيني واحد مشاوي مشكلة؟"
"حاضر يافندم. تفضل وخذ كفايتك من السلطات لحين إحضار الطلب"
اختار حاج عبد الرحمن سلطته بعناية وجلس ليأكل لإحساسه بالجوع وعندما وصل الطلب كاد أن يشعر بالامتلاء. رائحة "المشاوي" طيبة ومذاقها أطيب مما شجعه على مواصلة الأكل.
" عمو ممكن تعطيني جنيهين أشتري سندوتش. أنا ما أكلت شيء من أمس".
تطلع حاج عبد الرحمن إلى الأعلى ليشاهد صبيا في حوالي الثانية عشر من عمره يقف أمامه. يبدو انه من أطفال الشارع المشردين "شماسي" وذلك من مظهر ملابسه وجسده المتسخ. ولكن مع ذلك تكسو وجهه النحيل الشاحب مسحة من الوسامة والوداعة.
تذكر أيام الجوع والحرمان التي مر بها في طفولته فأصبح لا يحتمل ويتألم لرؤية طفل جائع.
" أهو الأكل أمامك. اجلس وكل ما تريد. أنا أكلت ما يكفيني."
"لكن عمو الجرسونات ما يتركونا نجلس مع الزباين. هم يشتمونا ويضربونا لو وجدونا داخل المطعم"
" ما تخاف. أنا العازمك. أجلس."
جلس الصبي في تردد وهو يراقب الجرسونات في الجانب الآخر من المطعم. بدأ يلتهم الطعام بشراهة وبسرعة خيفة أن يلحظه أحد الجرسونات ويقوم بطرده قبل أن يكتفي..
" الظاهر انك جوعان. ما اسمك؟"
وبدون أن يرفع رأسه عن الطعام أجاب:
" اسمي تآمر عمو."
" أين تسكن؟"
" الثورة، الحارة العاشرة مع والدي. أمي تركت البيت مع أخواني الصغار. راحت عند جدو"
"يا ولد أنت. يلا بره. مش محذرنك من دخول المطعم ده. وكمان جالس تأكل مع الزباين"
هكذا قطع حديثهما صوت الجرسون الغاضب وهو يقترب من الصبي الذي وقف خائفا يرتعد متحفزا للهروب.
" اتركه يكمل أكله. أنا العزمته"
وجه حاج عبد الرحمن حديثه للجرسون الثائر.
" أنت العزمته؟ دول شفع حرامية ومتربين شوارع. كل يوم سارقين ليهم زبون."
" معليش خليه يكمل أكله على راحته"
" يا سيد لو أنت مهتم بيه لهذه الدرجة ليه ما تعزمه معاك في البيت وتريحنا؟"
رد الجرسون بشيء من السخرية والخبث. لكن لم يفت على حاج عبد الرحمن ما يلمح إليه وما يقصده.
" خلاص سيب كلامك الفارغ ده وروح شوف شغلك."
زجر حاج عبدالرحمن الجرسون وبصوت حانق. يبدو انه هذه الأيام لا يصدق أن يعمل إنسان معروفا لأحد لوجه الله وبدون ثمن !
ابتعد الجرسون عن المكان وهو ينظر إلى الحاج بشي من الريبة. اطمأن الصبي قليلا وجلس مرة أخرى ليكمل طعامه.
" شكرا عمو. أنا غلبتك معاى."
قال ذلك مع ابتسامة عريضة تضيء وجهه الوديع. لم يستطع التعبير بأكثر من ذلك على امتنانه لحاج عبد الرحمن الذي دافع عنه بإخلاص.
" معليش. خلص على كل الأكل قدامك. دا واحد جرسون حقير."
فجأة شعر حاج عبد الرحمن برغبة ملحة لزيارة الحمام. إنها "غدة البروستاتا" اللعينة. متى ما شعر بالرغبة في التبول عليه الإسراع للحمام وإلّا تسرب البول من مثانته ليبلل ملابسه الداخلية في الحال. نهض مسرعا قبل فوات الأوان متوجها نحو الحمامات ناسيا في عجلته حقيبة يده.
" من إذنك دقائق يا تامر رايح الحمام. خلص أكلك"
أكمل حاج عبد الرحمن المهمة بسرعة أعقبها شعوره بارتياح كبير ومن ثم خرج عائدا لطاولته. تذكر انه ترك الحقيبة في مكانها مع إسراعه للحمام. لم يلحظ الصبي على الطاولة. انتابه شي من الفزع مما كان يخشاه. لقد اختفى تامر ومعه الحقيبة. يا لحظه العاثر. سوف يشمت عليه كل الجرسونات وخاصة ذلك الذي حذره من الصبي !!.
بادر حاج عبد الرحمن أحد الجرسونات.
"أين ذهب ذلك الصبي؟. لقد سرق حقيبتي."
" لقد حذرناك يا سيد ولم تسمع. العوض على الله. الشفع دول كل يوم عاملين ليهم عملة قبيحة زي وجوههم. بلغ الشرطة يمكن يحصلوه قبل ما يتصرف في الشنطة."
خرج حاج عبد الرحمن من المطعم وهو في غم كبير باحثا عن الصبي في الخارج. لا أثر له ولعلّه الآن في مكان بعيد يحاول فتح الحقيبة. لام نفسه كثيرا على عدم حيطته, كان من الأفضل عليه إعطاء الصبي الجنيهين بدلاً من دعوته له للجلوس لتناول الطعام. ومن ثم توجه إلى أقرب مخفر للشرطة للتبليغ عن الحقيبة المسروقة..
بعد أن أدلى بتفاصيل محتويات الحقيبة التي كانت تضم مائة وخمسون ألف دولار أمريكي نقداً بالإضافة لمستندات هامة وجواز سفره، سأله المحقق عن أوصاف الصبي السارق.
" هو في حوالي الثانية عشر من العمر.نحيل الجسم، خفيف السمرة، ذو شعر رأس ناعم وغزير. وكمان عنده شامة فوق حاجبه الأيسر."
" الظاهر انك دقيق الملاحظة يا سيد. لقد أعطيتنا أوصاف يسهل معها التعرف عليه لو ظل في العاصمة. لكن السؤال لماذا دعوته لمشاركتك الطعام؟"
تضايق حاج عبد الرحمن قليلا من السؤال الذي يقصد منه معرفة نواياه.
"دعوته إحسانا منى فقط لأنه قال جوعان. لم أتوقع أن يسرقني."
"تقول أن الجرسون حذرك ولكنك أصريت على بقائه معك."
" أرجو أن تفهمني. لو كانت نواياي سيئة لما جلست معه في مكان عام."
" على العموم عندنا تلفونك. لو عثرنا عليه سوف نتصل بك. توكل على الله."
وبينما هو يهم بالنهوض لاحقه المحقق بالسؤال.
" وبالمناسبة! هل ترصد أي مكافأة لمن يعثر على الحقيبة سالمة وبكل محتوياتها؟"
" بالإضافة إلى المبلغ وجواز السفر، بها مستندات أصلية وشيكات يقدر ثمنها بالكثير. سأعطي مكافأة لمن يعثر عليها سالمة ما يساوي عشرة آلاف دولار أمريكي."
أجاب الحاج وهو يعنى بكل صدق ما يقول.
" إذا أنا سآخذ إجازة وأبحث عن الحقيبة بنفسي. دا مبلغ كبير يساوي راتب كم شهر."
رد المحقق مازحاً. لكن في الحقيقة أثار اهتمامه المبلغ الكبير.
غادر حاج عبد الرحمن المكان ودار بسيارته على أغلبية أماكن تجمعات هؤلاء الصبية المشردين والذين يطلق عليهم كلمة " الشماسة." لا أثر للصبي إطلاقا. وبشيء من الحسرة والألم توجه إلى منزله وقد نسي تماماً موعده مع وسيط العقارات.وفي صبيحة اليوم التالي وفى نفس الزمان دار حاج عبد الرحمن بسيارته حول المنطقة التي بها المطعم عسى أن يعثر على الصبي. توقف عند مجموعة من الصبية شاكلته سائلاً عنه بعد إعطائهم أوصافه. تبادلوا النظرات فيما بينهم مما أوحى للحاج أنهم تعرفوا عليه. بادره من يعتقد انه قائدهم::
" ماذا تريد منه؟"
" أنا قريبه. بس أريد أقول ليه أن والده بالمستشفى ويريد أن يراه. والده يخشى أن يموت بدون أن يودعه؟"
مرة أخرى تبادلوا النظرات قبل أن يرد عليه نفس الفتى.
" معليش يا عم. ما في حد فينا يعرفه. لكن لو صادفناه سنخبره بمرض أبوه".
تأكد حاج عبد الرحمن أنهم يرتابون في أمره ويشكون في نواياه ولذلك فهم لا يرغبون في مساعدته. إنهم بلا شك يحمون بعضهم البعض ويمتنعون عن إعطاء أي معلومات تدل على بعضهم للغرباء. قد يكون الحاج من الشرطة السرية أو من إحدى العصابات التي تسعى لإيذائهم أو استغلالهم.
في إحدى دوراته حول المنطقة توقف عند إشارة حمراء. فوجئ بتسلل تامر إلى داخل السيارة وبجلوسه على المقعد على يمينه وقفله للباب. لاحظ الحاج انه يحمل معه نفس الحقيبة.
" جئت برجليك يا حرامي؟ دى عملة تعملها بعد المعروف ألعملته فيك. سأسلمك للشرطة يؤدبوك."
أنا آسف عمو. ما عارف ليه عملت كده. أنت أول زول يعطف على ويعاملني كإنسان." "
إيه الأخدته من الشنطة؟، تكلم ولا تكذب.""
" أنا لا اعرف ما فيها. طول الليل وآنا ألوم نفسي وحاسى بالذنب وقررت ارجع ليك الشنطة. اعمل في العايزه. أنا استأهل تسلمني البوليس."
تأكد الحاج أن الصبي صادق في كلامه ولم يعبث بالحقيبة لأن القفل يبدو سليما. تأثر من تصرف تامر ولتأنيب ضميره له. يبدو انه لا زال فيه خير ويمكن إصلاحه."
" تجى معاى المكتب أتأكد آن كل شي تمام وفى مكانه."
" موافق. وحتى للشرطة ما عندي مانع."
واصل حاج عبد الرحمن طريقه إلى مكتبه وهو يعجب لتصرف تامر الغير متوقع. لاحظ آن عيني الصبي تدمعان ورأسه مطأطأ للأسفل في حالة انكسار. تبدو مشاعره صادقة وأنه فعلا يأسف لفعلته. توقف عند مكتبه وخرج من السيارة حاملا حقيبته معه وطالبا من الصبي آن يلحق به بالداخل. نادي على فراش المكتب وطلب منه إحضار سندوتش ومشروب بارد لتآمر وفنجان قهوة مع كوب ماء له.
" أنا كنت فاكر حتودينى الشرطة."
تساءل تامر بصوت خافت وحزين.
" أنا عاير اعرف حكايتك من البداية. حدثني عن نفسك وأسرتك ولماذا أنت مشرد في الشوارع. من شكلك وتصرفك الأخير يبدو انك ابن ناس كويسين."
بعد آن التهم تامر سندوتشه بدأ في سرد قصته كاملة لحاج عبد الرحمن.
الفصل الثالث
يسكن تامر مع أسرته المكونة من والديه وأخ وأخت يصغرانه في منزل صغير في الثورة، الحارة العاشرة. إلى ما قبل تسعة أشهر كان الوالد يعمل محاسبا بشركة للعقارات براتب يكفي لسد احتياجات الأسرة. تغير كل شيء فجأة بعد أن أعلنت الشركة إفلاسها وتم الحظر على كل ممتلكاتها. وجد جميع العاملين بين ليلة وضحاها أنفسهم مشردين وبلا عمل. حتى حقوقهم من عملهم بالشركة ضاعت ولا احد يعرف مصيرها.
استطاع والد تامر أن يدبر شؤون الأسرة لمدة ثلاثة أشهر من مبلغ استلفه من أحد أقاربه, بعدها اضطر للتخلص من بعض محتويات المنزل أولاً الإلكترونية ثم من بعد الكهربائية والخشبية وأخيراً بعض الملابس الغير ضرورية. عندما ضاق الأمر بالأسرة أخذت الأم الطفلين الصغيرين والتجأت بهم إلى منزل والدها. بقي تامر مع والده ليواصل دراسته بالمدرسة الإعدادية القريبة من المنزل.
ظل الأب يخرج يومياً في الصباح الباكر باحثاً عن عمل جديد ليعيد شمل الأسرة مرة أخرى و لكنه لم ينجح في مسعاه. أخيراً اضطرت إدارة المدرسة لفصل تامر لعدم تسديده للمصاريف المدرسية.
كان يصحو في الصباح ولا يجد والده بالمنزل ولا شي يأكله إلا بقايا من خبز ناشف. بدأ يتجول في الشوارع ليملأ وقته وليسد رمقه بأي وسيلة, وأخيراً التقى بمجموعة من الصبية في عمره مشردون بلا عائل وهائمون في الشوارع.
اضطر لمصاحبتهم ولكي يتقبل في المجموعة صار لزاماً عليه أن يفعل ما يفعلونه وينصاع لأوامرهم. مرات عديدة كان يتأخر في العودة للمنزل وأحياناً يقضى ليلته في الخارج. ساءت العلاقة بينه وبين والده كثيراً عندما اتضح للوالد التغيير الكبير في سلوكه.
عاد في احد المرات متأخراً للمنزل تفوح منه رائحة الخمر مما أضطر الوالد لضربه ونعته بعبارات قاسية. منذ تلك الليلة لم يعد تامر للمنزل.
حاول الوالد أن يعيده بشتى الطرق ولكن كان تامر يتفادى والده ويهرب عندما يراه, لقد قرر أن لا يرجع للمنزل نهائيا.
تعلم كثيراً من السلوكيات السيئة لكي يتعايش مع مجتمعه الجديد مثل السرقة والاحتيال والتسول. تعود على شرب الخمر واستنشاق البنزين والتدخين وحتى الأكل من القمامات.
كان عليه أن يبقى مع المجموعة دائماً لحماية نفسه من اعتداءات المجموعات الأخرى وخاصة التي تضم أعماراً أكبر. حدثت مشاجرات عدة بين مجموعته ومجموعات أخرى منافسة خاصة على مناطق النفوذ. في احد المرات أصيب إصابة بالغة في رأسه وكاد أن يفقد وعيه. كان يتعرض كثيراً للتحرشات ومن بينها الجنسية حتى من بعض أفراد مجموعته الذين يكبرونه سنا وكان عليه أن يدافع عن نفسه وأحيانا قد يغلب على أمره ما لم يهب لنجدته أحد من أصدقائه من بين أفراد المجموعة.
أمتهن بعض الصبية المشردون ممارسة الدعارة مختارين وأحياناً تحت تهديد ووعيد عصابات معروفة تستغلهم لهذا الغرض للكسب المادي. هذه المجموعة تبدو ناعمة ومسالمة وحسنة المظهر والملبس. فهم لا يحتاجون للتسكع في الشوارع بقصد السرقة أو التسول لتأمين حياتهم لأن لديهم ما يكفيهم من مال اكتسبوه عن طريق بيع أجسادهم الغضة لمن يدفع الثمن. فهم يرتادون دور معينة مشبوهة مساء تدار بواسطة "قوادون" متمرسون يقدمونهم لمرتادي هذه الأماكن الذين يدفعون بسخاء نظير قضائهم وقتا يعتبرونه ممتعا يختلون فيه بهؤلاء الصبية. في هذه اللقاءات يوفر لهم الأكل الطيب والمشروبات الغازية والكحولية والسجاير وبعض المواد المخدرة إلى أن يغادروا هذه الدور مع تباشير الصباح بما كسبوه من مال وفير. يقضون نهارهم لاهيين عابثين في الحدائق العامة أو في دور الألعاب الالكترونية ومقاهي الانترنت ومجمعات التسوق. ويحصلون على طعامهم ليس من القمامة أو بواسطة التسول بل من محلات بيع السندوتشات أو المطاعم الصغيرة بما لديهم من مال. يحاولون وسعهم تجنب المجموعات العنيفة التي تتحرش بهم وتحاول سلبهم ما يملكون من مال أو حتى تجريدهم من بعض ملابسهم التي تحلو لهم.
المجموعات المتشردة الأخرى ليس لها مقر محدد. يظلوا متسكعين طوال اليوم وذلك لممارسة التسول والسرقة والنشل والاحتيال والخطف أو استعمال العنف لتأمين حياتهم. لا يخلو يوم من مصادمات ومشاجرات عنيفة بين هذه المجموعات قد تسيل فيها الدماء أحيانا لأقل تحرش من أحد أفراد مجموعة بأخرى أو انتقاماً من مجموعة أعتدت على أخرى سابقاً. يشترون بعض الأكل مما يسرقون وبالعدم ينافسون القطط والكلاب في البحث عن الطعام في القمامات. يقضون ليلهم في البنايات المهجورة والأبنية تحت التشييد والحدائق العامة والمساجد ودائما يحرصون على تغيير أماكن نومهم وذلك إمعاناً للسلامة ولكي لا تفاجئهم المجموعات المعادية وهم نيام وتعتدي عليهم. يعتبرون أفراد الشرطة ألد أعدائهم لأنهم يقومون من آن لأخر بمداهمتهم وحصارهم للقبض على البعض للتحقيق معهم في جرائم متنوعة أو لاتهامهم بالتسول أو التشرد,لذلك يقومون بإنذار بعضهم متى ما شوهد شرطي في المنطقة لكي يأخذ الجميع حذره. تقوم الشرطة أحيانا بتجنيد بعضهم أو زرع بعض أفرادها بينهم وذلك للكشف مسبقا عما يخططون له أو لكشف بعض الجرائم الغامضة. لذلك هم يحذرون أي منتسب جديد لأي مجموعة وأحياناً يحذرون بعضهم البعض. بعض أفراد الشرطة المنحرفون قد يستغلونهم جنسياً مقابل عدم التبليغ عنهم أو القبض عليهم. الكل يعاديهم و يكرههم ويقوم بطردهم كالحيوانات السائبة خاصة أصحاب المحلات التجارية والمطاعم الذين يخشون سرقاتهم أو تدميرهم لممتلكاتهم. من يتلطف بهم أو يتودد إليهم يشكون في أمره وفى نواياه. لذلك فهم دائما على حذر ولا يثقون في أحد.
تعامل المجتمع معهم بهذه الكراهية وهذا العداء جعلهم يحقدون على هذا المجتمع الذي نبذهم و سلبهم آدميتهم. لذلك عندما يتعرضون لمداهمة من الشرطة أو إيذاء من البعض يقومون بالانتقام وصب جام غضبهم على كل شيء يقع في طريقهم. وقد يصيبون بالأذى الجسيم من يعترض طريقهم أو يلجئون لتخريب الممتلكات وتحطيم العربات وإشعال الحرائق في الأسواق.
بعد إعطاء هذه التفاصيل المؤلمة عن حياة الشارع التي كان يعيشها بعد ترك منزل والده ذكر تامر للحاج انه كان بالأمس يشعر بالجوع الشديد. اقترب من المطعم وشاهده من الخارج وهو يتناول طعامه. أغتنم فرصة ابتعاد الجرسونات للجانب الآخر من المطعم واقترب من الحاج متوسلاً لجنيهين. إلّا أن الحاج ألح عليه بالجلوس ليطعم نفسه. لم يكن يفكر في الحقيبة بادي الأمر ولكن بعد ذهاب الحاج للحمام وتركه للحقيبة وراءه لم يستطع مقاومة الرغبة الملحّة لسرقتها ما دامت الفرصة مواتية خاصة وانه كان يجلس قريباً من المخرج ولا يوجد أحد من الجرسونات بالقرب منه. تناول الحقيبة وبسرعة اختفى في الخارج. بعدها شعر بتأنيب شديد في ضميره وتذكر كيف واجه الحاج الجرسون مدافعاً عنه ومصراً على بقائه حتى يكمل طعامه. قرر أن يعيد الحقيبة للحاج في الوقت المناسب و لكي لا يلحظه أحد من الصبية وهو يحمل الحقيبة قام بإخفائها تحت كومة من مخلفات أحد الأبنية المجاورة.
عاد في صباح هذا اليوم وكان لديه شعور بأن الحاج قد يمر بالمنطقة باحثاً عنه، فلحظة رؤيته لسيارة الحاج لحق بها عند الإشارة وآخذا مكانه داخلها بجانب الحاج.
تأثر الحاج كثيراً بعد سماعه لقصة تامر المحزنة. قرر أن يعيده لأسرته ولمدرسته وانتشاله من الشارع وأهواله. تردد تامر أول الأمر لأنه كان يصعب عليه مواجهة والده بعد كل الذي حدث منه. لكن حاج عبد الرحمن طمأنه ووعد أن يساعد ه علي إصلاح العلاقة بينه وبين والده.
توجه الحاج بإرشاد تامر إلى منزل والده بالثورة,نزل تامر ليطرق الباب ولكن يبدو أن لا أحد بالداخل. أطلت إحدى الجارات من باب منزلها لتخبرهما أن صاحب المنزل يرقد مريضا بالمستشفى النفسي بعد أن ظل طريح فراشه لعدة أيام.
زارته زوجته يوما فوجدته في حالة صحية سيئة وأخذته للمستشفى في الحال. توجها إلى المستشفى وأرشدهما احد الممرضين للغرفة التي يرقد فيها والد تامر. للمفاجأة كانت والدة تامر داخل الغرفة. احتضنته والدته للحظات لم يستطع فيها الاثنان حبس دموعهما. كان والد تامر مستغرقا في نومه وقد طلب من الزوجة أن لا تزعجه بل تتركه يفيق من نفسه.
كذلك لوحظ أن المريض يتلقى السوائل عن طريق الوريد بالجهاز الخاص بذلك. توجه الحاج إلى غرفة الطبيب الذي أوضح له أن والد تامر ادخل المستشفى وهو يعانى من مرض اكتئابي شديد أمتنع معه عن الأكل والشراب وحتى الكلام ولذلك تقرر أن يعالج بالجلسات الكهربائية. أخذ هذا الصباح جلسته الثانية وطمأنه الطبيب على أنه يستجيب تدريجياً للعلاج وسوف يكون في وضع يسمح بخروجه من المستشفى خلال أسبوعين.
تكفل الحاج بكل تكاليف العلاج وطلب من الزوجة أن تصحب تامر معها إلى منزل الجد بعد انتهاء الزيارة ووعد أن يزور والد تامر في اليوم التالي ليطمئن عليه.
تحسنت صحة والد تامر كثيراً مع العلاج بالجلسات الكهربائية, كان مسروراً لعودة تامر وتجمع كل أسرته حوله في المستشفى. أخبرهم أنه سئم الحياة بعد أن فقد الأمل في إيجاد عمل جديد وبعد أن هجرته كل الأسرة.
كان يتمنى الموت لعدم استطاعته توفير حتى الطعام لأسرته مما اضطر زوجته أن تترك المنزل وتأخذ معها الطفلين لمنزل والدها. وأخيراً ساء الحال بينه وبين تآمر مما اضطر الأخير كذلك أن يترك المنزل ويتشرد في الشوارع.
بعد خروج والد تامر من المستشفى طلب الحاج من الزوجة أن تعود لمنزل زوجها مع الطفلين لتكون مع زوجها وتآمر. وعندما اجتمعت الأسرة جميعها فاجأهم حاج عبد الرحمن بإعلانه انه قرر أن يمنح تامر مبلغ عشرة آلاف دولار أمريكي وهى عبارة عن مكافأته على استعادة حقيبته المفقودة, هذا المبلغ سيكفي الأسرة لشهور عدة إلى حين تدبير عمل جديد للوالد وكذلك سوف يمكن تامر من تسديد مصاريف الدراسة والعودة للمدرسة من جديد. تأثر الجميع وبكوا من شدة الفرح وشكروا الحاج كثيرا لما قام به تجاههم ولمساعدته لهم على لم شملهم. والمفاجأة السعيدة الأكبر هي أن الحاج استطاع في خلال أسابيع أن يدبر لوالد تامر عملاً في مصنع يملكه أحد أصدقائه براتب يساوي ضعف مرتبه من عمله السابق.
مر خمسة عشر عاماً على تلك الأيام, لا زال والد تامر محتفظاً بعمله وقد ترقى لدرجة كبير محاسبي المصنع, تخرج أخوه من الجامعة وتعين في إحدى دوائر الدولة, الشقيقة الصغيرة في سنتها الأخيرة بالجامعة. أما تامر فقد تخرج طبيبا وهو الآن يعمل كنائب في قسم الباطنية لدى مستشفى خاص حديث.
في صباح أحد الأيام كان د/ تامر يمر على مرضاه مع طبيب الامتياز. توقف عند احد المرضى الذي كانت تجلس بجانبه فتاة لفت جمالها د/ تامر. تعرف على المريض من الوهلة الأولى.
" هذا حاج عبد الرحمن عبد القيوم. ادخل العناية الفائقة ليلة أمس يشكو من ألم شديد في صدره. اظهر تخطيط القلب أن ذلك الألم ناتج عن ذبحة قلبية خفيفة. حولناه من العناية الفائقة لهذه الغرفة الخاصة بعد أن استقرت حالته مع العلاج."
بهذا قدم الطبيب المريض لدكتور تامر.
" حمد لله على السلامة حاج عبد الرحمن."
" الله يسلمك يا دكتور. الدكتور زميلك الله يجازيه ألف خير. تعب معاى كتير ليلة أمس."
" دا واجبه يا عم. الظاهر ما عرفتني؟"
" والله يا أبنى ما عرفتك. لكن حاسى أنى شفتك من قبل. ممكن تذكرني؟:"
" ممكن حاج عبد الرحمن تتذكر مين قال ليك الكلام دا."
" عمو ممكن تعطيني جنيهين أشترى سندوتش. أنا ما أكلت من أمس."
وهنا صاح حاج عبد الرحمن من شدة الفرح.
" تامر، أبنى تامر. د/ تامر. قرب على أحضنك وأسلم عليك."
أقترب تامر من حاج عبد الرحمن وتعانقا طويلا وأعينهم تدمع من شدة الفرح بلقائهما مرة أخرى بعد كل هذه السنين الطويلة.
" من زمن أنا ووالدي نبحث عنك حتى فقدنا الأمل بلقائك مرة أخرى. طول حياتنا لن ننس فضلك علينا"
" الحقيقة أنا حولت أعمالي لمدينة أخرى وما رجعت هنا إلا منذ شهرين. أنت في بالي على طول يا تامر."
ثم أدار وجهه للفتاة الجالسة بالقرب منه وواصل حديثه:
" دى سلمى بنتي آخر العنقود تخرجت من الجامعة هندسة كمبيوتر. سلمي يا سلمى على د/ تامر. دا تامر الصغير الكنت أحدثتكم عنه. ما شاء الله كبر وصار دكتور عظيم."
صافحت سلمى د/ تامر الذي أحس بقشعريرة تسرى في يده وهو يفعل ذلك.
" والدي يحدثنا عنك باستمرار وهو معجب بك ويتمنى لقائك دائما مرة ثانية."
وجهت سلمى حديثها لدكتور تامر مع ابتسامة مشرقة تضيء وجهها.
"كل الأسرة لا تنسى جمايل والدك علينا. ربنا يجازيه كل خير ويعطيه الصحة والعافية."
أجاب د/ تامر.
باشر تامر أجراء الفحوصات وعلاج حاج عبد الرحمن حتى بلغ كامل عافيته. أصر كذلك على دفع جميع تكاليف علاج الحاج من حسابه الخاص.
دعي والده وشقيقه وشقيقته لزيارة حاج عبد الرحمن بالمستشفى. الأسرة جميعها تشعر بالامتنان له لانتشاله لهم من الوضع المأساوي الذي كانوا عليه. لا أحد يدرى ماذا كان سيحدث لهم لولا أن العناية الإلهية أرسلت حاج عبد الرحمن لإنقاذهم.
جميع الأسرة زارت حاج عبد الرحمن بالمنزل بعد خروجه معافى من المستشفى. كانت ابنته سلمى على رأس المستقبلين. أعجبت والدة تامر بسلمى كل الإعجاب وسألتها إذا ما كانت مخطوبة لأحد. نفت سلمى ذلك لأنها بالرغم من تقدم العديد من الشبان لخطبتها إلا أنها لم تجد من بينهم المناسب.
عند رجوع الأسرة للمنزل بادرت الأم تامر.
" تامر أنا وجدت ليك عروس مناسبة ومن أسرة ممتازة."
" مين هي يا أمي؟."
" أنت تعرفها قبلنا. ما رأيك في سلمى؟"
" سلمى! يا ماما أنت كأنك تقرأي أفكاري. أنت أم مدهشة."
" كمان أبوك أب مدهش. هو لمح لي بسلمى قبل أن أقول رأى فيها."
" ما دام أعجبتكم للدرجة دى أنا موافق ميتين في المية."
في مساء اليوم التالي ذهب تامر ووالده لمقابلة حاج عبد الرحمن في منزله. عندما أعلناه بطلبهم وافق في الحال.
" تامر ما أبنك فقط. هو أبنى كمان. أنا أحييته من زمان. لو ما كان عنده أب كنت اتخذته ابن لنفسي. شكرا لك يا الله."
أستأذن حاج عبد الرحمن ضيوفه وغاب داخل المنزل. رجع بعد ربع ساعة بصحبة سلمى ووالدتها.
أبتدر الحاج سلمى بقوله.
" سلمى يا بنتي دا د/ تامر ووالده. زي ما أخبرتك هم حضروا اليوم لخطبتك. إيه رأيك؟"
أجابت سلمى بخجل ممزوج بالسرور.
" أنا موافقة ما دمت أنت والوالدة موافقان."
" طيب خلاص ادخلو جوه. خلونا نحن الرجال نكمل الباقي."
قرأ ثلاثتهم الفاتحة تأكيدا لخطبة سلمى ومن ثم غادر تامر ووالده منزل الحاج واعدين بالحضور ثانية مع والدة تامر لتحديد موعد وإجراءات الزواج.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://eshra9at-amal.mam9.com
 
حكايات نفسية الشمّاسة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
»-(¯`v´¯)-» إشراقة أمل »-(¯`v´¯)-» :: - ..؛°¨ ღ المنتديات الإجتماعية ღ ¨°؛.. :: - ..؛°¨ ღ العيــادة النفسيــة ღ ¨°؛..-
انتقل الى: